التطبيق الرابع


 كما نرى في لوحة ”عالم كريستينا“ التي رسمها اندرو ويث عام 1948، وتعتبر واحدة من أهم اللوحات الأمريكية في منتصف القرن العشرين واللوحة تتخذ منظور شخصي باستخدام المنهج النفسي كما نرى امام اللوحة امرأة ترقد في مرج أخضر بلا أشجار، ملتصقة بالأرض مرتدية فستانًا وردي اللون، تزحف نحو منزل كما لو كانت بلا حراك. تُظهر اللوحة عدة منازل صغيرة أخرى، بعيدة نسبياً، تحاول كريستينا الوصول إليها. يلاحظ المشاهد أنه على الرغم من أن المنازل صغيرة، إلا أن المساحة كبيرة. يحاول الفنان أن يقرّب للمشاهد فكرة بُعد هذه الفتاة عن المكان، فهي بلا شك قد بذلت جهداً كبيراً.

في عام 1948، تصادف أن رأى ويث جارته كريستينا المشلولة من شلل الأطفال وضمور العضلات، وهي تقطف التوت الأزرق وتزحف بقوة عبر حقل شاسع في طريقها إلى المنزل. كانت الفتاة، التي كانت سجينة منزلها بسبب مرضها ولم تخرج منه قط، مصممة على التحرر من سجن المنزل ومن سيطرة أسرتها ومن مشاعر الشفقة التي كانت تقيدها، حتى لو كانت الوسيلة الوحيدة لفعل ذلك هي الزحف. حاول ويث أن يشرك المشاهد في معاناتها من خلالها هز مشاعر الفنان عاطفيًا وتعاطف معها. اعتمدت كريستينا على عزيمتها وقوة إرادتها في البقاء على قيد الحياة في مواجهة العقبات والمعاناة، وبعد وفاتها كتب عنها ويث قائلاً: «إنها كانت امرأة شجاعة لم تكن تطلب شيئاً من أحد، وكانت على الدوام كريمة ومعطاءة». [1]

من منظوري الشخصي على الرغم من أن الجزء الخلفي من رأسها فقط هو الظاهر، إلا أنه من الواضح أن عينيها مثبتتان على هدفها - المنزل في أعلى التل. ويتضح من وضع ذراعيها النحيلتين المرتفعتين عن الأرض وساقيها العاجزتين ويديها المصممتين اللتين تمسكان العشب، أنها تكافح من أجل الزحف إلى المنزل، مما يوضح لنا ان هنالك امل وإصرار للوصول الى ماتريد.

يؤكد هذا المزيج من العناصر التصويرية على الإحساس بأن الوصول إلى هدفها صعب وبعيد المنال. ويؤكد اتساع المساحة على صعوبة الرحلة. فعليها أن تزحف في طريق طويل، وكذلك لأن عليها تسلق منحدر، ويضيف الضوء الغائم الذي يغلف جو اللوحة إلى الإحساس بالكآبة، تتضافر هذه العناصر لتزيد من الإحساس الشديد بالوحدة والضياع الذي يغلف أجواء اللوحة، وتصور الصورة الحالة الإنسانية من خلال التعبير عن معاناة الإنسان في الوحدة ومحدودية القدرات وكثرة العقبات التي تظلل كل خطوة وتحول دون تحقيق الهدف المنشود الا بالعزيمة والإصرار والمكافحة.



الخليج،2022، الفن ينتصر على الاعاقة، [1]

Comments

Popular posts from this blog

التطبيق الخامس

تطبيق التاسع

التطبيق الاول